الآية (1-14): يُقسِم تعالى بمخلوقاته الدَّالة على قدرته العظيمة: أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافعَ له عنهم. فالطُّور هو: الـجَبَل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كَلَّمَ الله عليه موسى، وأُرْسِلَ منه عيسى، وما لم يكن فيه شَجَر لا يُسَمَّى طُورًا، إنما يُقال له: جَبَل. ﴿ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكُتُب الـمُنْزَلَة المكتوبة التي تُقْرَأُ على الناس جِهَارًا؛ ولهذا قال: ﴿ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ﴾.
﴿ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴾ في حديث الإسراء: «ثم رُفِعَ بي[1] إلى البيت المعمور، وإذا هو يَدخُلُه في كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه آخرَ ما عليهم» [متفق عليه] يعني: يتعبَّدُون فيه ويطوفون، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم كذلك ذاك البيت، هو كَعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وَجَدَ إبراهيم الخليل مُسنِدًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كلِّ سماء بيت يَتَعَبَّدُ فيه أهلها، ويصلُّون إليه، والذي في السماء الدنيا يُقال له: بيت العِزَّة. والله أعلم.
﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ﴾ قال عَليٌّ: يعني: السماء، ثُم تَلَا: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء:32]. وكذا قال مجاهد وقتادة والسُّدِّي وابن جُرَيْج وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال الربيع بن أنس: هو العرش، يعني: أنه سَقْف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو يُراد مع غيره كما قاله الجمهور.
﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ﴾ قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العَرش، الذي يُنَزِّل الله منه المطر الذي يُحيى به الأجساد في قبورها يوم معادها. وقال الجمهور: هو هذا البحر. واختلف في معنى قوله: ﴿ الْمَسْجُورِ ﴾ فقال بعضهم: المراد أنه يُوقَد يوم القيامة نارًا؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ [التكوير:6] أي: أُضْرِمَتْ فتصير نارًا تَتَأَجَّج، محيطة بأهل الموقف. رواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، ورُوي عن ابن عباس. وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم. وقال قتادة: ﴿ الْمَسْجُورِ ﴾: المملوء. واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس مُوقَدًا اليوم فهو مملوء. وعن ابن عباس: الفارغ. وقيل: الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها فَيُغْرِقَ أهلها. قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه يقول السُّدِّي وغيره.
﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾ هذا هو الـمُقْسَمُ عليه، أي: لَوَاقِعٌ بالكافرين؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ﴾ أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك.
﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ﴾ قال ابن عباس وقتادة: تَتَحَرَّكُ تَحْرِيكًا. وعن ابن عباس: هو تَشَقُّقُها، وقال مجاهد: تدور دَوْرًا. وقال الضحاك: اسْتِدَارَتُها وتَحَرُّكها لأمر الله، وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التَّحَرُّك في استدارة.
﴿ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ﴾ أي: تذهب فتصير هباءً مُنْبَثًّا، وتُنْسَفُ نَسْفًا، ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي: ويلٌ لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم، وعِقابه لهم، ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾ أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويَتَّخِذُون دينهم هُزُوًا ولَعِبًا، ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ ﴾ أي: يُدْفَعُون ويُسَاقُون ﴿ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ قال مجاهد والشعبي والسُّدِّي وغيرهم: يُدْفَعُون فيها دَفْعًا ﴿ هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعًا وتوبيخًا.