حجم الخط:

الآيات (1-13)

الآية (1-7): يقول تعالى آمرًا رسوله أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدَّقوه وانقادوا له، فقال تعالى: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴿١ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أي: إلى السداد والنجاح، ﴿ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا . ﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا قال ابن عباس: ﴿ جَدُّ رَبِّنَا أي: فعلُه وأمره وقدرته. وقال: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه. وعن مجاهد: جلال ربنا. وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره. وقال السُّدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء: تعالى ذكره. وقال سعيد بن جبير: أي: تعالى ربنا. ﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أي: قالت الجن: تنزّه الرب تعالى جلاله، حين أسلموا وآمنوا بالقرآن، عن اتخاذ الصاحبة والولد. ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا قال مجاهد وقتادة والسُّدِّي: ﴿ سَفِيهُنَا يعنون: إبليس، ﴿ شَطَطًا قال أبو مالك: أي: جورًا. وقال ابن زيد: ظلمًا كبيرًا. ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: ﴿ سَفِيهُنَا اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدًا. ولهذا قالوا: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا أي: قبل إسلامه ﴿ عَلَى اللَّهِ شَطَطًا أي: باطلًا وزورًا. ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه. فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به، علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك. ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقًا، أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا، حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة: ﴿ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا أي: إثمًا، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة. وقال السُّدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أُضَرّ أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، فإذا عاذ بهم من دون الله، رَهقَتهم الجن الأذى عند ذلك. وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانًا.

﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا أي: لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولًا. قاله الكلبي وابن جرير.

الآية (8-10): يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء مُلئَت حرسًا شديدًا، وحُفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيُلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يُدرى من الصادق. وهذا من لطف الله بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قالت الجن: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴿٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مُرصَدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه، ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا أي: ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدًا؟! وهذا من أدبهم في العبارة؛ حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله عز وجل. وقد ورد في الصحيح: «والشر ليس إليك» [رواه مسلم]. وقد كانت الكواكب يُرمَى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث ابن عباس: «بينما نحن جلوس مع رسول الله إذ رُمي بنجم فاستنار، فقال: «ما كنتم تقولون [في الجاهلية] في هذا؟» فقلنا: كنا نقول: يولد عظيم، يموت عظيم. فقال: «ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء...» [رواه مسلم]. وهذا هو السبب الذي حَمَلهم على تطَلُّب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حُفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرَّد في طغيانه من بقي. ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر -وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها- هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم.

الآية (11-13): يقول مخبرًا عن الجن: إنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ أي: غير ذلك، ﴿ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا أي: طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة. قال ابن عباس: أي: منا المؤمن، ومنا الكافر. ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنَّا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعَنَّا في الهرب؛ فإنه علينا قادرٌ، لا يعجزه أحد منا. ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا يفتخرون بذلك، وهو مفخر لهم، وشرف رفيع، وصفة حسنة. ﴿ قال ابن عباس: فلا يخاف أن يُنقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته؛ كما قال: ﴿ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا [طه:112].