يقول الإمام الغزالي رحمه الله في كتاب إحياء علوم الدين: ?فإن كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة»[1]؛ فأفعال الإنسان إذن موصولة بما في نفسه من معان وصفات. ومعنى ذلك أن صلاح أفعال الإنسان مرتبط بصلاح أخلاقه؛ لأن الفرع بأصله، فإذا صلح الأصل صلح الفرع، وإذا فسد الأصل فسد الفرع؛ ﭽ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ﭼ [الأعراف: ٥٨].
ولهذا كان النهج السديد في: إصلاح الناس وتقويم سلوكهم، وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم، وهدايتهم للطريق الأقوم، و أن يبدأ المصلحون والدعاة والمربون بإصلاح نفوسهم وتزكيتها، وغرس الأخلاق الطيبة فيها، وإلا فكيف يستطيع الداعية المربي المصلح تغيير أحوال الناس المدعوين - من سعادة وشقاء، ويسر وعسر، ورخاء وضيق، وطمأنينة وقلق، وعز وذل،...إلخ - دون أن يغير هو ما بنفسه؟!
لا بد أن يكون قول الداعية وفعله، وأمره ونهيه، وإقدامه على الفعل أو إحجامه عنه، موزونًا بميزان الأخلاق والتربية الإسلامية، ومتوقفًا على مدى رسوخ هذه الأخلاق في نفسه، وتطبعه بها وحماسه لها، وغيرته عليها وشعوره بضرورتها إليه، فلا يكفي الأخلاق مجرد معرفتها والعلم بها، بل لا بد من لزوم ممارستها في اليسر والعسر، ووقت الفرح والحزن، والهدوء والانفعال، ومع القريب والبعيد، وفي الوسيلة والغاية، حتى تكون جزءًا لا يتجزأ من سلوك الداعية المربي، فحينئذ تؤتي الدعوة ثمارها، ويتضاعف أجر الداعية بأجر كل من نهج نهجه واستن بسنته، دون أن ينقص من أجرهم شيئًا.
لذا، يعرض هذا الفصل لثلاثة مباحث في لزوم الداعية السلوك القويم والتربية الفاضلة على النحو الآتي:
1- المبحث الأول: التربية الإيمانية للداعية.
2- المبحث الثاني: أخلاق الداعية.
3- المبحث الثالث: الهدي النبوي في الدعوة.