أما الحياة: فقد جاء تصور الإسلام لها تصورًا فريدًا شاملاً ومميزًا؛ فالحياة وفقًا لهذا التصور ليست تلك المدة المحددة التي تمثل عمر الفرد أو عمر الأمة، إنما تمتد طولاً في الزمان، وعرضًا في الآفاق، وعمقًا في العوالم، وتنوعًا في الحقيقة؛ تمتد في الزمان لتشمل الحياة الدنيا المشهودة، والحياة الآخرة المغيبة عنا، وتمتد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض دارًا أخرى: جنة ونارًا، وتمتد في العوالم فتشمل هذا الوجود المشهود والوجود المغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، ومعنى ذلك أنه ليس هناك طريق مستقل للحياة الدنيا وآخر للآخرة، إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، والمنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً عن الدنيا، ولا طريق الآخرة غير طريق الدنيا، لكن الأصل أن تلتقي فيه الدنيا مع الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا، ومن ثم يجمع المنهج الإسلامي بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق، فلا يُفَوِّت الإنسان دنياه لينال آخرته، ولا يغفل آخرته لينال دنياه، فالعمل والإنتاج والتنمية فريضة الاستخلاف في الأرض، والإيمان والتقوى والعبادة والأخلاق تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع لتحقيق هذا المنهج في الحياة. ومن الآيات الدالة على هذا التلاقي والترابط واللقاء بين الدنيا والآخرة قوله تعالى: ﭽ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﭼ [القصص: ٧٧].