فمن الحكمة في دعوة هؤلاء إلى اللَّه تعالى أن تُقدّم لهم البراهين والأدلة العقلية القطعية في التقسيم العقلي الحكيم؛ فيستدل على كل من أنكر وجود اللَّه تعالى وربوبيته بأمر لا يمكنهم إلا التسليم للحق والانقياد له، أو الخروج عن موجب العقل إلى الجنون والفطر المنحرفة، فيقال لكل من أنكر ذلك: إن الأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة لا رابع لها:
1 - إما أن تُوجد هذه المخلوقات بنفسها صُدفة من غير مُحدِث ولا خالق خلقَهَا، فهذا مُحالٌ ممتنع تجزم العقول ببطلانه ضرورة، ويُعلم يقينًا أن من ظن ذلك لهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل؛ لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير مُوجدٍ ولا مُحدِثٍ، فلا بد لكل حادث من مُحدِث، ولا سبيل إلى إنكار ذلك؛ فإن وجود الشيء من غير مُوجد مُحالٌ وباطلٌ بالمشاهدة والحسّ والفطرة السليمة.
2 - وإما أن تكون هذه المخلوقات الباهرة هي المحدثة الخالقة لنفسها، فهذا أيضاً مُحالٌ ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يُحدثُ نفسه ولا يخلقه؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقًا؟!
فإذا بطلَ هذان القسمان عقلاً وفطرةً، وبان استحالتهما، تعيَّن القسم الثالث:
3 - وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها: علويها وسفليّها لا بد لها من مُحدث ينتهي إليه الخلق والملك والتدبير، وهو اللَّه العظيم، خالق كل شيء، المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها؛ ولهذا ذكر اللَّه تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي فقال: ﭽ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﭼ [الطور: ٣٥]، ولذلك تأثر جبير بن مطعم بسماعها من النبي ﷺ تأثرًا عظيمًا؛ قال رضي الله عنه: ?سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﭽ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿ ٣٥ ﴾ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ﴿ ٣٦ ﴾ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﭼ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقرَ الإيمانُ في قلبي» [1].
فالمخلوق لا بد له من خالق، والمصنوع لا بد له من صانع، والمفعول لا بد له من فاعل، وهذه قضايا بدهية جلية واضحة، يشترك في العلم بها جميع العُقلاء، وهي أعظم القضايا العقلية، فمن ارتاب فيها أو شكّ في دلالتها فقد برهن على ضلاله، واختلال عقله.