لأن على العقل مدار التكليف والبحث وتكشف ما في النفس والكون من أسرار حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الاهتمام بالعقل، والحفاظ عليه من كل ما يعطل أداءه لوظائفه، والحث على تربيته وتنميته بوسائل مختلفة.
ففيما روي عنه رضي الله عنه قوله: ?حَسَبُ المرء دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله»[1].وقوله: ?إن يكن لك عقل فلك مروءة»[2].
ومن أجل الحفاظ على عقل المسلم وأدائه لوظائفه كان عمر رضي الله عنه يأمر بالابتعاد عن كل ما يخرج العقل عن طبيعته المميزة المدركة كشرب الخمر؛ فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب على منبر رسول الله ﷺ يقول: ?أما بعد أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمس: من العنب والتمر والعسل والشعير، والخمر ما خامر العقل»[3]. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عمر: ?ما خمرته فعتقته فهو خمر»[4].
كما رفع عمر رضي الله عنه حد شارب الخمر من أربعين جلدة إلى ثمانين صيانة للعقل المسلم، ويروي الإمام مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: ?نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين»، و بذلك كان عمر أول من ضرب في الخمر ثمانين[5].
واستخدم عمر رضي الله عنه في تربية العقل جهودًا ووسائل عدة منها: طلب العلم، والفهم، والاجتهاد، وإعمال العقل بالتفكير، والعمل بالعلم. فكان يكتب إلى قضاته وولاته في الأمصار الإسلامية يحثهم على إعمال العقل واستخدام الفكر اجتهادًا فيما يعرض عليهم من القضايا، فيكتب إلى شريح قاضيه على الكوفة قائلاً: ?انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله ﷺ، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك»[6].
ويكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة كتابًا يقول له فيه: ?أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهمَ الفهمَ فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق»[7].