الحمد لله الذي شرع لنا دينًا قويمًا، وهدانا إليه صراطًا مستقيمًا، وجعلنا من أهله تعلمًا وتعليمًا، سبحانه أنعم علينا بأعظم نعمة وهي الإيمان، وتوجنا بأشرف تاج وهو القرآن، وجعلنا خير أمة أخرجت لبني الإنسان، أحمده سبحانه على آلائه التي لا تنقضي أبدًا، وأثني عليه بجميع محامده التي لا تحصى عددًا.
والصلاة والسلام على من اجتباه ربه واصطفاه، وبجميع المحامد حلاه، نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه الذين اهتدوا بهداه، وترسموا خطاه، فحملوا أمانة الدعوة على الأعناق، وساروا بها إلى كل الآفاق، حتى أشرقت بنور علمهم الظلمات، واخضرت بطيب غراسهم الفلوات، ولا تزال طائفة من أحفادهم على الحق صامدين، ولعبء الأمانة متحملين، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.
أما بعد:
فبين أيديكم -أيها الدعاة إلى الله- مُؤَلَّف يُوسَم بــــ: (الخلاصة في التربية)، مستهدِفةٌ كلماته كل مربٍ ومربيةٍ، وموجَهةٌ عباراته لكل داع وداعية، ومتمثلةٌ محتوياته في ظلال قول الله عز وجل: ﭽ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﭼ [يوسف: ١٠٨]. وقول نبيه ﷺ: ?مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»[1].
ولتلمس خطى هذه البصيرة، وابتغاء ثواب سبيل هذه الدعوة، يأتي هذا الكتاب في أربعة فصول رئيسة، تحوي مباحث عديدة، تؤصـل -في مجموعها- في أذهان جميع المسلمين ضرورة التكامل بين فقه التربية وفقه الدعوة بصفتها أصلاً أصيلاً، وحتمية الدعوة على كل من اتبع الرسول الكريم ﷺ تحقيقًا للمراد من تنزيل رب العالمين في قوله الجليل: ﭽ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﭼ [الأعراف: ١٥٧].
وأخيرًا وليس آخرًا، فالرجاء في الله سبحانه وتعالى وحده أن ينفع بهذا الكتاب ويفيد في تعديل السلوك والممارسات للمربين والدعاة إلى الله بما يتوافق وسنن الأنبياء والمرسلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.