3 - إن الأتباع والمدعوّين الذين يربّيهم ويدعوهم الداعية ينظرون إليه نظرة دقيقة دون أن يعلم هو أنه تحت رقابة مجهرية؛ فرُبّ عمل يقوم به من المخالفات لا يلقي له بالاً يكون في نظرهم كبيرًا؛ لأنهم يعدُّونه قدوة لهم. وقد يراه الجاهل على عملٍ غير مشروع أو محرم فيظن أنه على حق، ولا شك أن الأمر خطير، والنجاة من ذلك أن يعمل الدعاة بالعلم، وليتقوا اللَّه تعالى.
ولكي ندرك خطورة ذلك الأمر نتأمل هذه القصة: يروى أن أبا جعفر الأنباري صاحب الإمام أحمد عندما أُخبر بحمل الإِمام أحمد للمأمون في الأيام الأولى للفتنة عبر الفرات إليه فإذا هو جالس في الخان، فسلم عليه، وقال: يا هذا أنت اليوم رأسٌ والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبتَ إلى خلق القرآن ليجيبنَّ بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعنَّ خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل -يعني المأمون- إن لم يقتلك فأنت تموت، ولا بد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء. فجعل أحمد يبكي ويقول: ما قلت؟ فأعاد عليه فجعل يقول: ما شاء الله، ما شاء الله[1].
وتمر الأيام عصيبة على الإمام أحمد، ويمتحن فيها أشدّ الامتحان ولم ينس نصيحة الأنباري، فها هو المروذي أحد أصحابه يدخل عليه أيام المحنة ويقول له: (يا أستاذ قال الله تعالى: ﭽ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﭼ [النساء: ٢٩]، فقال أحمد: يا مروذي اخرج انظر أي شيء ترى؟! قال: فخرجتُ إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، قال المروذي: مكانكم. فدخل إلى أحمد بن حنبل فقال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه. فقال: يا مروذي أضل هؤلاء كلهم؟! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء)[2].