نزل القرآن مُنَجَّمًا حسب الظروف والحوادث لأنه كتاب بناء وتربية لا كتاب ثقافة، جاء بمنهاج كامل للحياة والتربية لصياغة نفوس، وبناء أمة وإقامة مجتمع؛ إذ هو يسوق مع بعض المواقف درسًا وتحليلاً، كما كان بناؤه مظهرًا رائعًا للخلود، مما جعله صالحًا للسير مع كل نفس، موجهًا لكل جيل. ولقد استثمر القرآن -وهو يربي الأمة الإسلامية- الأحداث في تربية النفوس استثمارًا عجيبًا عميق الأثر، وهذا إيماء وإيحاء من القرآن باتباع هذه الطريقة في تربية الإنسان؛ بحيث لا تتاح فرصة إلا ويستثمرها المربي في تحقيق أهداف التربية عن هذا الطريق.
وهكذا الداعي إلى الله لا ينبغي له بحال من الأحوال أن ينفصل عما يشهده العصر الحالي -بسبب ما أفرزته التطورات التكنولوجية المتلاحقة، وخاصة في العقد الأخير من القرن العشرين- من تحولات عميقة، ونقلات نوعية، وتغيرات مادية ومعنوية لحقت ببنية كل منظمات المجتمع الرسمية وغير الرسمية؛ فلقد أسهم انتشار الإنترنت في كافة أرجاء المعمورة، واستخدام الإلكترونيات الدقيقة، في الانتقال إلى نمط اجتماعي جديد يُعرف بمواقع أو شبكات أو وسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني.
وكما أحدثت هذه الوسائل فائقة السرعة تحولات أساس في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية …إلخ، فلها كذلك تأثيرها على الدعوة والتربية، ومن ثم فالداعية المربي مطالب بأن يطور ذاته، وأن يطور من دعوته ووسائلها حسب العصر، وبما يتناسب مع الشريعة الغراء؛ فالحكمة ضالة المؤمن، وحيث وجدها فهو أولى بها، والحكمة هي: وضع الشيء المناسب في المكان والزمان والشخص المناسب.
ولأن توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في مجال الدعوة والتربية حديث نسبيًا، فإن التوجهات نحوها تتسم غالبًا بالتناقضية: ما بين متحمس للتطبيق يتوقع تطورًا شاملاً يتغلب على كافة المساوئ، ومن يرى عدم مناسبة تطبيق هذه الوسائل التخريبية والفوضوية. فمن أكبر مزاياها: زيادة التواصل بين شريحة عريضة من الأفراد والمجتمعات، أما أكثر الجوانب الرديئة فتتمثل في: عدم موثوقية المعلومات، تشتيت التركيز، سوء استخدام هوية المستخدمين، جهل طريقة استخدامها؛ وخاصة لدى بعض كبار السن والدعاة.
ورغم ما قد يثيره البعض من مساوئ وعيوب لاستخدام هذه الوسائل في مجال الدعوة والتربية، إلا أنه لم يعد ينفع أن يتقوقع الداعية داخل المسجد أو المدرسة أو النوادي فحسب، كما لا ينبغي على الإطلاق التغافل عن الأثر الحسن الذي يمكن أن يحصل من تلك التقنيات الحديثة في هذين المجالين. وعمومًا، يمكن تناول ذلك من خلال ما يأتي: