حجم الخط:

[فهم المجتمع]:

كما أن مخالطة الداعية لمجتمعه ستعرفه بعاداتهم وأخلاقهم، ومواطن الضعف والقوة فيهم، وينكشف له ما يشيع بينهم من معروف ومنكر، فيتيسر له القيام بالاحتساب عليهم، ولو أنه بقي في منزله، مغلقًا بابه لما أدرك وعلم ما يشيع بين الناس من المنكرات، فمخالطته لهم تجعله يدعو على علم وبصيرة بأحوالهم، ويكون هو العنصر المؤثر في المجتمع، إضافة إلى أن الناس جُبلوا على حب من يجلب لهم النفع، ويدفع عنهم الشر، دون أن تتعلق مصلحته بأي منهم، بل احتسابًا لوجه الله، ولن يتمكن الداعية من خدمة الناس وقضاء حوائجهم من خلال ترديد الكلام فحسب، بل إنه في كثير من الأحيان تَحُولُ همومُ الناس ومشاكلُهم بينهم والتلقي منه، وتصبح هذه الهموم سدًا منيعًا في وجه الدعوة، فعلى الداعية حينئذ أن يبذل ما يستطيع من جهد لإزالة هذه العوائق من طريق دعوته، وذلك كله لا يتم إلا بمخالطته للناس في مجتمعه. ولقد كانت مشاركة الناس معيشتهم ومجالسهم والتحدث إليهم والسماع منهم هي ديدنه في معظم أحواله، حتى نقل الصحابة لنا أدق الأمور والتفاصيل في حياته. وبعد الفتح والتمكين استمر عليه الصلاة والسلام على المنهج نفسه، فلم يعتزل الناس، أو يغلق دونهم باب قصر أو بيت، بل إنه يخالطهم كلهم بجميع طبقاتهم، بلا إهمال لأحد منهم، أو تمييز بين غني وفقير، أو حر وعبد، فدعوته للناس كافة، بل إنه لا يستهين حتى بالأطفال الصغار حين أحضرهم أهلوهم له فمسح على رؤوسهم؛ فأطفال اليوم هم رجال الغد، ولم يهمل النساء، فهن شقائق الرجال، ولم يفرق في الدعوة بينهن والرجال، بل أفردهن ببيعة خاصة، ومجالس خاصة للتعليم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة