وعليه؛ فمنهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته، فيحوِّله إلى واقع عملي محسوس وملموس، ولذلك بعث الله نبيه ﷺ بعد أن وضع في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج؛ ليترجم هذا المنهج ويكون خير قدوة للبشرية جمعاء. وهذا يوافق فطر الناس وحاجتهم وطلبهم للقدوة التي يحتذى بها.
أما بالنسبة للداعية إلى الله فلا بأس له أن يسعى لقيادة الناس وإرشادهم وتوجيههم؛ فلا بد من التوازن بين كراهية الصدارة والشهرة، ووجوب قيادة الناس؛ فلا ينبغي أن يفهم من كراهية الصدارة والشهرة أنه يراد به قتل الطموح، ولا تفضيل دنو الهمة والقعود والخمول والعجز والكسل والتهرب من المسؤولية، وترك العمل، والتخاذل عن الواجبات وفروض الكفايات؛ خاصة إذا تعينت على الأكفاء.
وقد جعل ابن القيم رحمه الله الفرق بين الأمرين كالفرق بين تعظيم أمر الله وتعظيم النفس؛ فالناصح لله المعظم لله يحب نصرة دينه، فلا يضره تمنِّيه أن يكون ذلك بسببه، وأن يكون قدوة في الخير. أما طالب الرياسة فهو ساعٍ في حظوظ دنياه، ولذا يترتب على قصده مفاسد لا حصر لها.
والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة، وهو فارس الميدان إذا تعين عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: ﭽ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﭼ [الفرقان: ٧٤]، أي: أئمة هدى يقتدى بأفعالهم، وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره.
وقال سبحانه وتعالى قاصًّا كلام يوسف عليه السلام: ﭽ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﭼ [يوسف: ٥٥]، وليس ذلك حرصًا منه على الولاية، وإنما هو رغبة في النفع العام، وقد عرف من نفسه الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه، فقصده إصلاح أموال الناس، وهو جزء من رسالة الداعية إلى الله، الذي يكون همه الأول فعل الخير طلبًا لمرضاة الله تعالى، وليس قصده إرواء غليله، وإرضاء شهوته في الزعامة؛ فالضابط فيها هو النية والموازنة بين المصالح والمفاسد العامة. ففي الجملة: هاتان الآيتان توضحان أن الداعية هو الرائد والدليل، بل قد ينبغي له طلب هذه الوظيفة الشريفة، بل قد تتعين عليه للمصلحة. والأدلة والأقوال المحذرة لا تنطبق على داعية تصدّر لإرجاع قومه إلى الحق، حتى لو اشتهر وعرف فلا بأس.
ويجب التنبيه إلى أن هذا الأمر مزلق؛ لالتباس النية فيه كثيرًا، وصعوبة تمحيص القصد، وذلك علمه إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور: ﭽ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﭼ [آل عمران: ٣٠].