1- من ناحية وسيلة التعبير وتأثيرها:
تعتمد الإذاعة على التعبير بالصوت، بينما تعتمد البرامج التلفازية على الصورة بشكل أساسي إضافة إلى الصوت، كما أنها تقدِّم على الشاشة معلومات أكثر مما تفعله الكلمات[1]؛ ولذلك فتأثير التلفاز في هذا المجال أكبر؛ لأن الصورة تؤثر في المتابع، بل إن شكل المتحدث وطريقة لبسه وحركات يده كلها تصب في جانب الإقناع أو التنفير بحسب تَقبُّل المشاهد أو عدم تقبله لذلك.
ولذا: كتب ليوناردو دافنشي قائلًا: (إن العين التي تسمى نافذة الروح والنفس.. هي القناة الأساسية التي يستطيع المرء أن يدرك بواسطتها المخلوقات السرمدية للطبيعة في أبهى صورها وأكثرها تنوعًا؛ حيث يكون للأذن دور ثانوي)[2].
ومع ذلك: تفوز الإذاعة بأكبر نصيب في استثارة الخيال، وبالقدرة على تيسير الثقافة؛ فالراديو ينقل رسالته بالتصور، وهو يُعَد في هذا تجريديًّا، في حين يظل التليفزيون في نطاق المحسوس[3]؛ ولذا: يقال: الإذاعة فن مخاطبة الأعمى، أي: إنها تَستخدِم المؤثرات المتاحة لتضعه في صورة أقرب للواقع.
وحين نقرأ حديثًا صحفيًّا سوف نأخذ بالطبع فكرة عن الشخصية التي أُجرِيَ الحديث معها؛ ولكن لن تكون هذه الفكرة دقيقة، وستبقى السمات الشخصية والفردية مستورة ومجهولة، بينما في الإذاعة يشكِّل صوت المتحدث جزءًا من طبيعته الفسيولوجية، حين تستمع إلى صوت حقيقي حي، فسوف يأخذ المتابع فكرة عن السمات الفردية لصاحب هذا الصوت، وذلك لأن نغمة الصوت وغنى طبقاته وفقرها وطريقة الحديث.. كلها أمور تتضمن أشياء تساهم في إعطاء مزيد من المعلومات للمستمع عن المتحدث؛ وأحيانًا يميِّز المستمع مدى تعلم المتحدث وثقافته، وكونه ذكيًّا أم بليدًا، ويأخذ فكرة عن مزاجه الشخصي، ومع ذلك يعجز الراديو عن أن ينقل الشيء بكامله إلى المستمع، فيصل للمستمع صورة صوتية نشأت باستثارة الخيال لتشكيل صورة غائبة، لتُنشِئ أحيانًا واقعًا وهميًّا يمكن أن يساهم في إعداد ما يتجاوز الواقع[4]، وفي التليفزيون نجد أن رؤية الوجه تزيد من انطباع المتابع عنه ويزداد تأثيره، وهذا أمر طبيعي.