لم تزل الخُطبة منذ الرعيل الأول من أعظم أساليب التأثير في المجتمع المسلم، سواءً أكانت خطبة للجمعة أو في أي مناسبة أخرى، ولقد بدأ الرسول ﷺ دعوته العامة بخطبته على الصفا، واستمر في الاستفادة من التجمعات المختلفة للتأثير ونشر الدعوة والقيام بواجب البلاغ حتى كانت آخر خطبه هي خطبة الوداع.
ولقد أصبح للخطبة موقعًا ممتازًا باستكمال أركان الدين وفرائضه، وحينها أصبحت خطبة الجمعة من الشعائر، حيث يجتمع المسلمون في المساجد ليسمعوا الخطبة الأسبوعية، فضلًا عن خطب العيدين والحج، فزاد ذلك من قدرتها على التأثير وربط المجتمع ودعم قضاياه وحل مشكلاته.
وكان ﷺ إذا خَطَب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه؛ حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ودليل ذلك: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلا صَوْتُهُ, وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ, حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[1]، وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحذيره خطبًا جسيمًا)[2].
وقد كان رسول الله ﷺ أكثر خطباء الدعوة خطابة، وكانت الخطبة وسيلته الرئيسة لشرح أركان الإسلام وتوجيهات النبوة بأفضل الأساليب التي تأخذ بلب المستمع وتؤثر فيه، واستغرق ذلك بطبيعة الحال عصر النبوة كاملًا[3].
والخطب من أسرع الوسائل لنقل المعلومات إلى الجماهير، شريطة أن يكون المتحدث يملك أدوات التأثير.