ب- ضوابط شرعية لاختيار موضوعات الحوار:
الحوار ليس مشروعًا من قبيل الترف الفكري ولا الفضول وحب الاستطلاع أو الجدل في المسائل، فهناك قضايا يباح الجدل فيها، وأخرى ليس من الجائز الخوض فيها بحوار أو جدال، إما بسبب محدودية العقل البشري إزاءها، أو بسبب عدم ترتُّب أي ثمرة علمية أو عملية من ورائها، أو لأنها محسومة أساسًا بنص شرعي أو إجماع.
فالبحث في ذات الله تعالى- مثلًا- منهي عنه شرعًا، فهذا ليس مجال بحث ولا جدال ولا حوار؛ لأن القول في ذلك الشأن الجليل من قبيل الخوض بلا علم، والعلم شرط أساسي لخوض الحوار، وهو معدوم في هذه الحالة؛ وهو هنا من جملة ما نهى الله عنه في قوله تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء: 36].
وكذلك المفردات والبدهيات الجلية لا تجرى فيها المناظرة أصلًا؛ وهناك مسائل كثيرة لا يترتب عليها عمل، فهذه يكون الحوار فيها مما يضيع الوقت والجهد بلا فائدة، والقاعدة: (كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي)[1].
ومن المسائل التي ينهى عن الجدال فيها: كل ما حَكَم الله ورسوله فيه بنص مُحكَم جَلي، أو ما ثبت فيه إجماع لعلماء الإسلام؛ فالأحكام القطعية في الدين ليست مناطًا للحوار أو الجدال من أجل إعادة النظر فيها أو تقويمها أو تغييرها؛ فليس في ذلك مجال لحوار بقبول ورَدّ، وقد يكون فيها حوار لإزالة شبهة ولبيان حسن التشريع ومصلحته.