وقد لاحظ الدكتور جمال مجاهد أن غالبية التعريفات تقع في نطاق أربعة اتجاهات تعريفية، هي: تجميعية- رأي الأغلبية- منطقية- مادية، وقد لاحظ أيضًا أن أكثر التعريفات شيوعًا هي التي تقع في اتجاه المبدأ الأول (مبدأ التجميع)، والذي يُعَد فيه الاستفتاء والانتخاب والتصويت طرائق للتعبير عن الرأي العام، وقد وضع علماء الاجتماع العاملون في مجال الرأي العام ثقتهم في التجميع الموجه عندما استنتج المهنيُّون استنتاجًا موثوقًا به عن رأي الملايين، قائمًا على مقابلات شخصية مع مئات منهم.
أما الاتجاه الثاني: فيرى أصحابه أن الرأي العام هو رأي الأغلبية، حيث تعتمد الأنظمة الديمقراطية في نشأتها واستمرارها على الغالبية، والآراء المهمة هي التي تعبر عن أكبر عدد من الناس.
والاتجاه الثالث: يعتقد أصحابه أن الآراء تتكون عندما يتحدث الأفراد مع بعضهم بعضًا، والرأي العام ينبعث عندما ينشغل الناس في مقارنة اجتماعية ومحادثة، ويرتفع الرأي العام في حالة المناقشات الحادة أو النقدية.
والاتجاه الرابع: يعتقد أصحابه أن الرأي العام لا يوجد إطلاقًا، وقد ذهب وولتر ليبمان إلى أن الرأي العام كان إسقاطًا لما اعتقده الصحفيون والسياسيون حقيقيًّا؛ فالصحفيون ومستطلعو الرأي يوجِدون رأيًا عامًّا من خلال قياساتهم وكتاباتهم، فالرأي العام هو أداة متقنة استخدمت بواسطة الأقوياء لكي يحققوا أهدافهم[1].
وهذا الاتجاه الرابع فيه مبالغة؛ فليس كل رأي عام هو ما تَصوَّر قادة الرأي أنه قضية رأي عام، يوجد بالطبع هذا الشعور (توَهُّم الرأي العام)، وهو ما يُنشِئ فجوة بين ما يقال في وسائل الإعلام وما يعتقده الناس على الحقيقة؛ فتطرف المتدينين مثلًا هي قضية تحاول وسائل إعلام ونظم سياسية إقناع الناس بها في بعض البلدان، ولكنه في الواقع لا يحظى بقبول عند عامة الناس، وهذا يؤيد هذا الاتجاه (اتجاه توهم الرأي العام عند القادة)، لكن في الوقت نفسه يجب ألا ننسى وجود تناسق بين رأي القادة والرسميين والإعلاميين مع الجمهور في قضايا مختلفة ومتنوعة، مثل: التعامل مع الأخطار الداخلية والخارجية، وقضايا الانتخابات، وحتى بعض المشكلات الشخصية المطروحة إعلاميًّا.. وغيرها.
ولقد خرج الدكتور جمال مجاهد بعد استعراضه للآراء والتعريفات بهذا التعريف الذي يقول فيه: (الرأي العام هو: الرأي السائد بين جماعة من الناس، إزاء قضية أو مشكلة تمس مصالحهم أو قِيَمَهم، توصلوا إليه بعد نقاش وصراع للآراء والأفكار، الهدف منه الوصول إلى من بيدهم القرار بشأن تأييد قرارٍ ما أو معارضته).
ونلفت النظر إلى أنه لم يحدد نوع الجماعة؛ لأن رأي الأقلية قد يكون في بعض الأحيان له تأثير مثل الأغلبية أو أكثر، كما أن الرأي العام يمس قضية خلافية لها أهميتها وحيوتها لدى الجماعة، وتلك القضية أحدثت نوعًا من النقاش والتفاعل الاجتماعي بين جماعات المصلحة، ولاكتمال المفهوم كان لا بد من التعبير عنه، ومن ثم: الوصول لصانع القرار[2].