حجم الخط:

أ- حدود الحرية عامة:

يكمن منهج الإسلام في حدود حرية الرأي والتعبير وضوابطها في كلمة واحدة، هي: (التزام الحق)، بمعنى التزام أوامر الشرع؛ يقول الحق سبحانه: { وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ٣ } [العصر: 1- 3]، أي: تواصوا بالخير والمصلحة العامة كما بينها الشرع (حق الله).

ولقد أمر رسول الله بقول الحق ولو كان مرًّا؛ فعن عبادة بن الصامت، قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ»[1].

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ»[2]، وهذا الحديث جامع لحدود حرية الرأي السياسي، وضوابطه، ذلك أن كلمة الخير تعني الالتزام بالحق، وأنها تحمل المعنى الإيجابي، وهو المصلحة العامة المستهدفة من النقد والنصح، فضلًا عن توافر كل عناصر حسن النية والصدق، وهو ضابط لحرية القول أو النقد السياسي وغيره.

ومن المعروف أن في المجتمع قوى مختلفة ومتنوعة ومتعددة، فبعضها يكون في جانب الحق، وبعضها في جانب الباطل؛ فإن لم يقم أهل الحق بواجبهم تغلب الباطل وأهله وساد منطقهم.

وفي الوقت نفسه: يجب أن تُحتَرم خصوصية الناس، وتقدر قيمهم الاجتماعية، وألا يُساء إلى لغاتهم أو لهجاتهم أو قيمهم أو وظائفهم؛ لذا: فحرية الرأي مكفولة لأصحاب الفكر المستقيم في مواجهة المزينين للباطل؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «إنَّ اللَّهَ لَم يَبْعَث نَبِيًّا وَلا خَلِيفَةً إِلا وَلَهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأمُرَهُ بالمَعروفِ وتَنْهَاهُ عَن المُنْكَر، وبِطَانَةٌ لا تَألُوهُ خَبَالًا، وَمن يُوقَ بِطَانَةَ السُّوء فَقَد وُقي»[3]، وواضح أن المصلحة العامة تدخل في عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولأن الإسلام دين الوسطية فإنه لم يترك الأمر بلا ضوابط، بل وضع إطارًا عامًّا للحرية عمومًا أساسه- كما أشرنا- (التزام أوامر الشرع)، فهذا هو الضابط الوحيد للحرية في الإعلام الإسلامي؛ فإذا أمر الشرع بعفة اللسان، وحفظ كرامة الإنسان، وعدم إيذائه بما يسيئ إليه، وعدم فضحه أو تعييره على رؤوس الأشهاد.. صارت تلك من ضوابط الحرية، وإن أمر بالصدع بالحق دون خوف لائم، والوقوف أمام الظالم في ظلمه، ورفع شكوى المظلومين.. صار هذا ضابطًا آخر مكمِّلًا للأول، وإن أمر الشرع بتعظيم شعائر الله، وتعظيم حرمات الله، وعدم جواز التعرض لأوامر الله تعالى وأحكامه بالنقد أو الإساءة.. صارت تلك ضوابط أخرى.

وهكذا نجد كل الضوابط الشرعية المختلفة تتعاضد لترسم تلك الصورة المشرقة للحرية في الإسلام، حيث لا مانع من النقد الموضوعي للأشخاص أو الهيئات أو الدول إن كان لا يجرح ذواتهم ولا يسيئ إلى أشخاصهم، وإنما ننقد ما قاموا به من أعمال، كما أن أحكام الله تعالى، وشعائره، ودينه، ورموزه، وأشخاص الرموز فيه، وقيم المجتمع المستقرة- ومنها: أدوار أفراد الأسرة، كالدور الاجتماعي (للأم والأب..إلخ) -.. كل ذلك يكون مصونًا لا ينتقد ولا يُساء إليه.

فتلك إذن بعض الضوابط التي ينبغي استصحابها عند النظر في أمر حقوق الإنسان في التعبير وحرية الرأي المتعلقة بالبرامج الحوارية وغيرها من أمور الإعلام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة