ولا يبالغ المرء أيضًا حينما يقول إن رواد الاتصال الأوائل هم الأنبياء عليهم السلام ، الذين كانوا جميعًا يحرصون على إيصال رسالتهم بشتى السبل: الاتصال المباشر: كالدعوة الفردية، والاتصال الجمعي: كالخطبة، والاتصال غير المباشر: كالمراسلات، والرسائل، والنصائح.
خذ مثالًا قول نوح عليه السلام: { ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ٩ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ١٠ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ١١ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ١٢ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ١٣ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ١٤ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ١٥ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ١٦ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ١٧ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ١٨ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ١٩ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ٢٠ } [نوح: 9- 20].
إنه عليه السلام يشير إلى أنه مارس أنواع الاتصال كافة، الفردية والجمعية { أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } ، كما أنه عرض رسالته بسبل الإقناع كافة، واستخدم الاستمالات العاطفية التي تبشر بمآلات طيبة { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ١١ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } ، والاستمالات العقلية { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ } التي تقنع العقل وتحثه على التفكير[1].
وهكذا ندرك أنه كلما تعرف الداعية على مكونات عملية الاتصال، وأتقن التعامل معها، وتعرف على كيفية التأثير وطرائق الاستمالات وكيفية استخدامها دون مبالغة، وكلما انتبه كذلك لعمليات التشويش على الرسالة وتخلص منها[2].. استطاع توظيف تلك المعرفة وتوجيهها؛ ليفيد دعوته ويوصل رسالته بأفضل السبل وبأيسر الطرائق.
والدعوة تستخدم الاتصال في نواحٍ كثيرة: فهو وسيلتها لتغيير المفاهيم الخاطئة، ولنقل الأخبار الصادقة، وللتخطيط الدعوي، والاستفادة من خبرات الآخرين.
لذا: فيجب على من يمارس الدعوة - ولا سيما في نطاقها المنظم الجماعي- أن يهتم بالاتصال من الناحيتين: من ناحية أن يملك وسائل اتصال حديثة، وأن يكون التواصل من خلالها بطريقة منظمة مدروسة من ناحية ثانية.